السيد كمال الحيدري
450
أصول التفسير والتأويل
وردّوها إلى آلام عقلية روحانية ولذّات عقلية روحانية ، وأنكروا حشر الأجساد ، وقالوا ببقاء النفوس مفارقة إمّا معذّبة بعذاب أليم ، وإمّا منعّمة براحة ونعيم لا يدرك بالحسّ ، وهؤلاء هم المسرفون عن حدّ الاقتصاد » « 1 » . من هنا طالب الغزالي والشيرازي بموقف وسط يقع بين « برودة جمود الحنابلة وحرارة انحلال المؤوّلة » . ومن الواضح أنّ مثل هذا الموقف « دقيق وغامض لا يطّلع عليه إلّا الراسخون في العلم والحكمة والمكاشفون الذين يدركون الأمور بنور إلهىّ ، لا بالسماع الحديثىّ ولا بالفكر البحثىّ » إنّ هذا الموقف من « الراسخين في العلم ليس كموقف الأشاعرة ، لأنّ موقفهم أي الأشاعرة ممتزج من التأويل في البعض والتشبيه في البعض ، وأمّا موقف هؤلاء فهو أرفع من القسمين وأعلى من جنس الطرفين ، حيث انكشف لهم بنور المتابعة أسرار الأمور على ما هي عليه من جانب الله بنور قُذف في قلوبهم وشُرح به صدورهم ، ولم ينظروا إلى هذه الأمور من السماع المجرّد ونقل الألفاظ من الرواة ، ليقع بينهم الاختلاف في المنقول ، فلا يستقرّ فيها قدمٌ ولا يتعيّن موقفٌ » « 2 » . نعم ، يبقى التساؤل عن كيفية بلوغ الإنسان هذه الموازنة الدقيقة ، وما هي مكوّنات الموقف على هذا الصعيد ؟ ثمّ ماذا لو اختلط الأمر ، أيترك الإنسان الظاهر لمصلحة الباطن ، أم الباطن لأجل الظاهر ؟ يؤكّد الشيرازي ضرورة الإيمان بالظاهر وتركه على حاله ، وذلك « لأنّ ترك الظواهر يؤدّى إلى مفاسد عظيمة ، نعم إذا كان الحمل على الظواهر
--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم ، للشيرازى ، مصدر سابق : ج 5 ص 151 ؛ إحياء علوم الدِّين ، للغزالي ، مصدر سابق : ج 1 ص 103 . ( 2 ) تفسير القرآن الكريم : ج 5 ص 153 .